سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

نور الدين مدني.. وداعا لصوت ظل يكتب كلام الناس..

نور الدين مدني.. وداعًا لصوتٍ ظل يكتب «كلام الناس»..

خالد أبو أحمد

جاءت الأنباء الحزينة تعلن رحيل عمِّنا العزيز وأستاذنا الجليل، ومعلم الأجيال الصحفية والإعلامية نور الدين مدني أبو الحسن، وهو اسم ترك بصمة واضحة في صحافتنا وفي مجتمعنا السوداني المترامي واسع الامتداد.

عرفت الفقيد العزيز وأنا في الخامسة من عمري تقريبًا، عندما كان والدي ـ عليه رحمة الله ـ يعمل في صحيفة الصحافة بشارع علي عبد اللطيف في الخرطوم. وباعتباري الابن البكر، كنت بين الفينة والأخرى أشارك والدي السهر في الصحيفة، وكنت أجد في ذلك متعة ما بعدها متعة، وكانت صحيفة (الصحافة) لا تُملّ بالنسبة لي، نظرًا لوجود المجلات والكتب والإصدارات الجديدة، وقد أصبحت معروفًا لدى جميع العاملين في الدار تقريبًا، وكان ذلك في بداية السبعينات.

ومن جملة من تعرّفت عليهم في مجتمع الصحافة آنذاك، الذي كان يمثل أسرة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، من فطاحلة الصحافة أستاذنا نور الدين مدني، إلى جانب محمد طه الريفي، ورحمي سليمان، وبن البان، وعبد الرحمن مختار، وشقيقه حسن مختار، وأحمد الحسن أحمد، وصديق والدي عمنا العزيز المرحوم محمد سعيد معروف، وحاكم نصر حاكم، وعمنا العزيز المرحوم شريف طمبل، والكثير من أعلام الصحافة الذين لا أتذكر أسماءهم الآن. وكان الفقيد العزيز نور الدين مدني صحفيًا وكاتبًا من الكوادر الصحفية المعروفة بحنكتها وحضورها الطاغي.

ومن الأقدار الجميلة أنني عندما انتقلت للعمل في مدينة بورتسودان في فترة من الفترات، تعرّفت على الفنان التشكيلي الرسام المبدع أبوالحسن مدني، وعندما التقيته كان أول سؤال لي:

هل أنت شقيق عمِّنا الصحفي نور الدين مدني؟

وبالفعل كان ذلك ظاهرًا في ملامحه، حتى في لطافته وروحه الجميلة. عليهما رحمة الله.

الصحفي السوداني الراحل نور الدين مدني يُعد من الأصوات التي رسخت حضورها في المشهد الصحفي السوداني عبر مسيرة طويلة اتسمت بالاستمرارية والالتصاق بالشأن العام. فقد عُرف بوصفه كاتبًا صاحب رؤية نقدية هادئة تميل إلى قراءة الواقع الاجتماعي والسياسي للسودان بلغة قريبة من الناس، وهو ما جعل عموده الصحفي الشهير “كلام الناس” واحدًا من الأعمدة التي وجدت صدى واسعًا لدى القراء، لأنه لم يكن مجرد تعليق عابر على الأحداث، بل مساحة يومية لمحاولة فهم تحولات المجتمع السوداني ومشكلاته وتناقضاته.

وخلال مسيرته المهنية تنقّل نور الدين مدني بين عدد من المؤسسات الصحفية السودانية، وشارك في تجارب إعلامية متعددة، من بينها كتابته في صحيفة (السوداني الدولية)، و(الديمقراطي”)، وغيرها، كما ظل حضوره متواصلًا في المنصات الإعلامية السودانية على شبكة الإنترنت مثل (سودانايل)،  (الراكوبة) و(سودانيزأونلاين)، ويعكس هذا الامتداد عبر الصحافة الورقية والرقمية قدرة الرجل على مواكبة التحولات التي شهدها الإعلام السوداني خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل الخطاب الصحفي من المنابر التقليدية إلى الفضاء الرقمي دون أن يفقد صلته بالقارئ.

ومن السمات التي طبعت تجربته الصحفية حرصه على ما يمكن وصفه بالصحافة المستقلة؛ إذ ظل يؤكد في لقاءاته الإعلامية أن وظيفة الصحفي الأساسية هي نقل الواقع وتحليله بقدر من النزاهة المهنية، بعيدًا عن الاصطفافات السياسية الحادة التي كثيرًا ما أثرت على الخطاب الإعلامي في السودان. لذلك جاءت كتاباته في كثير من الأحيان أقرب إلى محاولة تقديم قراءة عقلانية للأحداث، تجمع بين النقد والحرص على المصلحة العامة، وهو ما أكسبه احترام شريحة واسعة من القراء والمتابعين.

كما اتسمت كتابات نور الدين مدني بتركيز واضح على القضايا الاجتماعية والسياسية التي تمس حياة السودانيين اليومية، مثل قضايا الحُكم والتحولات السياسية وأوضاع المجتمع، إضافة إلى اهتمامه بمسائل الإصلاح الوطني والتعايش الاجتماعي، وفي هذا السياق لم يكن عموده الصحفي مجرد منصة للرأي، بل كان في كثير من الأحيان مرآة تعكس نبض المجتمع السوداني وتفاعلاته مع التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية.

ولم تتوقف مسيرته عند حدود العمل داخل السودان، إذ شهدت حياته محطة مهمة حين هاجر إلى أستراليا، غير أن البعد الجغرافي لم يقطع صلته بالصحافة ولا بقضايا وطنه. فقد ظل عطاؤه مستمرًا من المهجر، مواصلًا الكتابة والتحليل عبر المنصات الإعلامية السودانية، ليؤكد أن الصحافة بالنسبة له لم تكن مجرد وظيفة مرتبطة بمكان، بل رسالة فكرية ومهنية تتجاوز الحدود.

وفي المهجر حافظ مدني على حضوره المنتظم عبر عموده الصحفي وكتاباته المتواصلة، مستفيدًا من فضاء الإعلام الرقمي الذي أتاح للصحفيين السودانيين في الخارج أن يظلوا جزءًا من النقاش العام في البلاد. ومن خلال هذا الحضور واصل قراءة الشأن السوداني وتحليل تحولات المجتمع والسياسة، معبرًا عن رؤية تجمع بين خبرة الصحفي الميداني ووعي المثقف الذي يتابع بلاده من مسافة جغرافية لكنها قريبة وجدانيًا.

وبهذا المعنى يمكن النظر إلى تجربة نور الدين مدني باعتبارها جزءًا من تقاليد الصحافة السودانية التي قامت على العمود الصحفي كأداة للتأثير في الرأي العام وصناعة النقاش المجتمعي. فقد استطاع عبر أسلوبه الهادئ والمباشر أن يحافظ على حضور ثابت في ذاكرة القراء، وأن يترك أثرًا مهنيًا في مسيرة الصحافة السودانية، التي فقدت برحيله أحد الأصوات التي واكبت تحولات السودان وكتبت عنها بإصرار واهتمام لسنوات طويلة.

رحم الله نور الدين مدني وألهم أسرته ومحبيه والأسرة الصحفية في السودان الصبر والسلوان.

مساء الجمعة 6 مارس 2026م

altaghyeer.info