تصنيف الإسلاميين في السودان كحركة إرهابية هل يعيد ترتيب المشهد السياسي؟
حسب الرسول العوض إبراهيم
أثار تصنيف الحركة الإسلامية السودانية (إخوان السودان) كحركة إرهابية إلى جانب جناحها العسكري “مليشيات البراء بن مالك” اهتماماً واسعاً في الداخل والخارج. ولم يكن هذا الاهتمام مجرد تفاعل مع قرار سياسي عابر بل لأنه يأتي في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد يتقاطع فيه مسار الحرب في السودان مع تحولات أوسع في الموقف الدولي من الإسلام السياسي والمليشيات المصاحبة له.
فعلى المستوى الدولي يتزامن هذا التطور مع مرحلة تشهد تصاعداً في الصراع الإقليمي المرتبط بالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى وما يرتبط بذلك من إعادة ترتيب لمواقف القوى الدولية تجاه الحركات ذات المرجعيات الإسلامية السياسية أو العسكرية. وفي مثل هذا المناخ يصبح أي تنظيم يحمل صبغة أيديولوجية دينية أو يمتلك أجنحة عسكرية عرضة لمزيد من الضغوط والتصنيفات في إطار سياسة أوسع تستهدف الحد من نفوذ الإسلام السياسي في مناطق الصراع.
أما داخلياً فإن القرار يرتبط بصورة مباشرة بالحرب التي تدور في السودان منذ ثلاث سنوات. فالحركة الإسلامية ظلت وفق كثير من القراءات السياسية أحد العوامل التي أعاقت العديد من المبادرات التي طرحت لوقف الحرب والدخول في مسار سياسي شامل وهو ما يعتبره كثير من المراقبين العنصر الأساسي في تصنيفها كحركة إرهابية، فقد ظل وجودها وتأثيرها داخل مؤسسات الدولة وارتباط تشكيلاتها بالمعركة العسكرية الجارية أحد الملفات الشائكة في أي عملية تفاوضية.
ومن هنا يمكن فهم كيف أن تصنيف الحركة الإسلامية قد يشكل عاملاً ضاغطاً باتجاه تحريك جمود المفاوضات. إذ إن أحد أبرز تعقيدات عملية السلام كان يتمثل في مسألة القوى التي تقاتل على الأرض ومن يمثل الدولة ومن يمثل أطرافاً أيديولوجية أو تنظيمية خارج إطارها الرسمي. وعندما يتم وضع الحركة الإسلامية وجناحها العسكري في خانة التنظيمات المصنفة إرهابياً فإن ذلك يخلق واقعاً جديداً قد يدفع باتجاه إعادة تعريف أطراف الصراع وشروط التفاوض.
هذا الواقع وضع البرهان أمام معادلة معقدة ووضعه في زاوية ضيقة، فوجود مليشيات الإسلاميين التي تقاتل إلى جانب الجيش يفتح الباب أمام احتمال انتقال تبعات هذا التصنيف إلى المؤسسة العسكرية نفسها. وبالتالي يصبح الخيار أمام قيادة الجيش واضحاً وهو إما إبعاد هذه التشكيلات بصورة صريحة عن المعركة وإعادة تأكيد الطابع الوطني الخالص للجيش أو مواجهة خطر اتساع نطاق العقوبات والضغوط الدولية ليشمل الجيش وقيادته.
ولا يقف التعقيد عند هذا الحد فالمشهد يزداد تشابكاً مع وجود أطراف أخرى في المعادلة السياسية والعسكرية. فبعض قادة الحركات المسلحة في دارفور، مثل جبريل إبراهيم يجدون أنفسهم أيضاً في دائرة هذه القرارات أو التداعيات المرتبطة بها، الأمر الذي قد يضيف طبقة أخرى من التعقيد على مشهد التحالفات القائمة داخل السلطة الحالية.
كذلك فإن بنية الحكومة نفسها قد تصبح جزءاً من المشكلة. فوجود شخصيات بارزة محسوبة على الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة بما في ذلك مواقع سيادية مثل وزارة الخارجية ووزارة العدل اللتين يقف على سدتهما وزيران محسوبان على التيار الإسلامي، قد يثير تساؤلات إضافية حول طبيعة الحكومة ومدى قدرتها على إقناع المجتمع الدولي بأنها تمثل مساراً مختلفاً عن مرحلة هيمنة الحركة الإسلامية السابقة.
وبناءً على ذلك فإن تداعيات التصنيف قد لا تقف عند حدود الحركة الإسلامية نفسها بل قد تمتد لتلقي بظلالها على الجيش والحكومة معاً. فالعقوبات أو الضغوط الدولية غالباً ما تتحرك وفق منطق الترابط بين المؤسسات والقوى المتحالفة، وهو ما يجعل مسألة الفصل بين الدولة والتنظيمات الأيديولوجية شرطاً أساسياً لأي انفتاح سياسي أو دبلوماسي.
وفي ضوء كل ذلك يبرز السؤال الأكثر أهمية وهو: هل ستختار الحركة الإسلامية الانحناء أمام هذا الواقع الجديد والانسحاب من المشهد العسكري والسياسي لإفساح المجال أمام قيادة الجيش للمضي في مسار السلام؟ أم أنها ستتمسك بموقعها داخل معادلة الصراع حتى لو أدى ذلك إلى تعقيد فرص التسوية وإطالة أمد الحرب؟.
* كاتب ومحلل سياسي
[email protected]
altaghyeer.info