سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

هل حقا أخطأت واشنطن في فهم إيران منذ البداية

هل حقا أخطأت واشنطن في فهم إيران منذ البداية

قلَّل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومستشاروه في الأيام التي سبقت الهحوم على إيران من خطر تأثير الحرب في أسواق الطاقة، ولكنَّ الخطأ في التقدير ظهر بوضوح في الأيام الأخيرة، عندما هددت إيران بإطلاق النار على ناقلات النفط التجارية التي تمر عبر مضيق هرمز، فهل أخطأت واشنطن في فهم إيران؟

وفي مقال مشترك بصحيفة نيويورك تايمز، كتبه مارك مازيتي وتايلر بيجر ووإدوارد وونغ، تناول الكيفية التي أخطأت بها إدارة ترمب ومستشاروه في تقدير رد إيران بعد الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي عليها، مما جعل الولايات المتحدة تدخل الحرب دون إستراتيجية واضحة للنصر، وبغير خطة واضحة للخروج منها.

تبنّى بعض مستشاري ترمب رؤية مفادها أن المخاوف من اضطراب أسواق الطاقة مُبالَغ فيها، وأن إيران لن تخاطر بإغلاق الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من النفط العالمي

وأشار المقال إلى أن صناع القرار في واشنطن كانوا يعتقدون قبل بدء العمليات العسكرية أن تأثير الحرب في أسواق الطاقة العالمية سيكون محدودا ومؤقتا، قياسا على ضربات العام الماضي.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ولذلك تبنّى بعض مستشاري ترمب رؤية مفادها أن المخاوف من اضطراب أسواق الطاقة مُبالَغ فيها، وأن إيران لن تخاطر بإغلاق الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من النفط العالمي.

ولكنَّ الأحداث اللاحقة كشفت أن هذا التقدير كان غير دقيق، لأن إيران ردت على الهجوم بطريقة أكثر قوة واتساعا مما توقعته واشنطن، وهددت باستهداف ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية.

إيران هددت باستهداف ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز (الجزيرة)

وبسبب هذه التهديدات، توقفت تقريبا حركة الشحن التجاري في الخليج، مما أدى إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط العالمية وإلى اضطراب في الأسواق، أدى بدوره إلى زيادة أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، مما وضع إدارة ترمب تحت ضغط اقتصادي وسياسي كبير.

إعلان

ويرى المقال أن هذه التطورات تعكس خطأ في فهم الطريقة التي تنظر بها إيران إلى الصراع، إذ لا تنظر القيادة الإيرانية إلى الحرب على أنها مواجهة عسكرية محدودة، بل تهديد وجودي للنظام السياسي والدولة نفسها.

الإدارة الأمريكية لم تكن تمتلك خطة واضحة للتعامل مع احتمال إغلاق مضيق هرمز، وقد عبَّر بعض أعضاء الكونغرس عن قلقهم من أن الإدارة لا تعرف كيف يمكن إعادة فتح المضيق إذا استمر التصعيد

غياب إستراتيجية واضحة

ولهذا السبب كان الرد الإيراني أكثر شدة مما حدث خلال الحرب القصيرة التي استمرت 12 يوما في العام السابق، فأطلقت إيران موجات من الصواريخ والطائرات المسيَّرة باتجاه قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، كما استهدفت مدنا في دول عربية في الشرق الأوسط إضافة إلى أهداف داخل إسرائيل.

وأوضح المقال أن الإدارة الأمريكية لم تكن تمتلك خطة واضحة للتعامل مع احتمال إغلاق مضيق هرمز، وقد عبَّر بعض أعضاء الكونغرس بعد اجتماعات سرية مع المسؤولين الحكوميين عن قلقهم من أن الإدارة لا تعرف كيف يمكن إعادة فتح المضيق بأمان إذا استمر التصعيد.

وفي الوقت نفسه، بدأ بعض المسؤولين داخل الإدارة يشعرون بالتشاؤم بشأن غياب إستراتيجية واضحة لإنهاء الحرب، لكنهم يتجنبون التعبير عن هذا القلق علنا أمام الرئيس ترمب الذي يصر على أن العمليات العسكرية ناجحة بالكامل.

ويشير المقال أيضا إلى وجود اختلاف في الأهداف داخل الإدارة نفسها، إذ وضع ترمب أهدافا واسعة جدا، مثل إسقاط القيادة الإيرانية أو فرض قيادة جديدة تكون أكثر خضوعا للولايات المتحدة.

في حين حاول وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث تقديم أهداف أكثر واقعية ومحدودة، مثل تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية ومصانع إنتاج الصواريخ والقوات البحرية الإيرانية.

ويبدو لكتّاب المقال أن هذه الأهداف الأقل طموحا قد تكون محاولة لتهيئة الظروف لإنهاء الحرب دون الانزلاق إلى صراع طويل، خاصة أن البحث عن مخرج من الحرب أصبح أكثر إلحاحا بسبب التكلفة العسكرية المرتفعة، إذ استهلك الجيش الأمريكي في اليومين الأولين فقط من الحرب ذخائر تُقدَّر قيمتها بنحو 5.6 مليارات دولار، وهو رقم كبير يعكس شدة العمليات العسكرية.

ومع ذلك يشير المقال إلى أن إيران لن تتراجع بسهولة، وهي مستعدة لاستخدام نفوذها على طرق إمدادات الطاقة العالمية ورقة ضغط، وبالفعل صرَّح أحد كبار المسؤولين الإيرانيين بأن مضيق هرمز يمكن أن يكون ممرا للسلام والازدهار للجميع، أو ممرا للهزيمة والمعاناة للدول التي تشعل الحروب.

وخلص المقال إلى أن إدارة ترمب أخطأت في تقليلها احتمال استخدام إيران أدواتها الاقتصادية والعسكرية للرد على الهجوم، ومن ثَم واجهت الولايات المتحدة أزمة أكثر تعقيدا مما كانت تتوقعه في البداية، بسبب غياب خطة واضحة للتعامل مع تداعيات الحرب.

إيران لن تتراجع بسهولة، وهي مستعدة لاستخدام نفوذها على طرق إمدادات الطاقة العالمية ورقة ضغط

إستراتيجية للنصر

وردّا على هذه الانتقادات، كتب مارك أ. ثيسن مقالا تحليليا بصحيفة واشنطن بوست أيَّد فيه سياسة ترمب في الحرب، وأكد أن لدى الرئيس تصورا واضحا للنصر يتدرج عبر ثلاثة مستويات رئيسية، يمكن أن يقود إلى الإنهاء الكامل للتهديد الإيراني، ولكنَّ نجاحه يتطلب الصبر وعدم التسرع في إنهاء العمليات العسكرية.

إعلان

ويرى الكاتب أن ترمب قد يتمكن من تحقيق إنجاز لم ينجح فيه أي رئيس أمريكي قبله، وهو القضاء الكامل على التهديد الذي يمثله النظام الإيراني، محذرا من أن النصر غير الحاسم قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، لأنه قد يُفسَّر على أنه دليل على ضعف الولايات المتحدة أو تراجعها.

العمليات العسكرية أدت إلى مقتل عدد كبير من كبار القادة ولكنَّ اختيار مجتبى خامنئي لا يوحي بنهاية النظام (غيتي)

ويشرح المقال أن المستوى الأول من النصر يتمثل في تدمير قدرة إيران على استخدام قوتها العسكرية خارج حدودها، مؤكدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا بالفعل تقدما كبيرا في هذا الاتجاه خلال مدة قصيرة من القتال.

ويشير الكاتب إلى أن هذه الضربات أدت إلى تراجع كبير في قدرة إيران على شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، وأن الهدف النهائي هو تدمير قدرتها على إعادة بناء هذه القدرات في المستقبل.

أما المستوى الثاني من النصر، فيتمثل في انهيار النظام الإيراني واستبدال حكومة جديدة به، خاصة أن العمليات العسكرية أدت إلى مقتل عدد كبير من كبار القادة الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من المسؤولين البارزين، مما قد يشير إلى إضعاف النظام من الداخل وربما إحداث انقسامات بين أركانه.

المستوى الأول من النصر يتمثل في تدمير قدرة إيران على استخدام قوتها العسكرية خارج حدودها

تحوُّل كبير؟

ويرى المقال أن المستوى الثالث من النصر يتمثل في انتفاضة الشعب الإيراني واستعادته سلطة الحكم في بلاده.

وأشار إلى أن العمليات العسكرية قد تُضعف قدرة النظام على السيطرة على الشارع، وإذا زال الخوف الذي يفرضه النظام فقد يتمكن الإيرانيون من العودة إلى الشوارع والمطالبة بتغيير سياسي جذري.

ويؤكد الكاتب أن ترمب من خلال هذه الحرب قد يكون بالفعل أحدث تحولا كبيرا في ميزان القوى في الشرق الأوسط عبر إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ولكنَّ الإنجاز الحقيقي لن يكتمل إلا إذا استمرت العمليات حتى انهيار النظام أو تغييره.

aljazeera.net