الخرطوم 14 مارس 2026 – أثار الصراع الدائر في الشرق الأوسط منذ أسبوعين مخاوف من تأثيره المباشر على الذهب، الذي يعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان، فيما اعتبره البعض فرصة حال استطاعت الدولة تنظيم القطاع ووقف التهريب.
وتشن إيران هجمات بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة على قواعد ومصالح الولايات المتحدة في دول الخليج الغنية بالنفط، على خلفية الغارات التي تشنها واشنطن وتل أبيب على طهران.
وأثرت هذه الهجمات والغارات على الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بانسياب النفط والحركة التجارية في مضيق هرمز، مما جعل الأنظار تتركز على الذهب باعتباره أكثر القطاعات حساسية للأزمات الجيوسياسية.
ويرى خبراء ومسؤولون في قطاع التعدين أن الحرب في الشرق الأوسط قد تحمل تأثيرات متباينة على الذهب السوداني، بين فرص اقتصادية محتملة نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية، وتحديات مرتبطة بحركة التجارة وسلاسل الإمداد.
ارتفاع الطلب العالمي
وقال الأمين العام لشعبة مصدري الذهب، معتصم محمد صالح، لـ “سودان تربيون”، إن التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وتصاعد التوترات العسكرية يمكن أن يكون لهما تأثير مباشر على سوق الذهب العالمي، باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة للمستثمرين في أوقات الأزمات.
وأوضح أن أي اضطرابات سياسية أو عسكرية واسعة تدفع عادة رؤوس الأموال العالمية إلى التوجه نحو الذهب لحفظ القيمة وتقليل المخاطر، وهو ما يؤدي غالباً إلى زيادة الطلب على المعدن الأصفر وارتفاع أسعاره في الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن السودان قد يستفيد من هذه المتغيرات بوصفه من الدول الغنية بالموارد الذهبية، لافتاً إلى أن ارتفاع الطلب العالمي يمثل فرصة اقتصادية مهمة إذا تم تنظيم قطاع التعدين والصادرات بطريقة تعظم العائدات للاقتصاد الوطني.
لكن صالح نبه إلى أن السودان يرتبط اقتصادياً بدول الخليج عبر التجارة والاستثمارات والتحويلات المالية، إضافة إلى وجود أعداد كبيرة من السودانيين العاملين هناك، ما يعني أن أي اضطرابات اقتصادية أو أمنية في تلك المنطقة قد تنعكس بشكل غير مباشر على الاقتصاد السوداني.
ويُعد الذهب أحد أبرز مصادر العملات الصعبة للسودان، حيث تصاعد دوره في الاقتصاد الوطني عقب انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان البلاد لجزء كبير من عائدات النفط، إلا أن القطاع ظل يواجه تحديات مزمنة، أبرزها التهريب وضعف البنية التحتية وتداخل الصلاحيات بين الجهات المعنية، فضلاً عن غياب قاعدة بيانات جيولوجية محدثة وشاملة.
وذكر صالح أن الحروب في الشرق الأوسط قد تؤدي أيضاً إلى اضطراب حركة الطيران والشحن وارتفاع تكاليف التأمين على البضائع وتعقيد التحويلات المصرفية، وهي عوامل يمكن أن تؤثر على انسياب الصادرات وعلى حركة الأسواق الإقليمية.
الذهب كملاذ آمن
وقال الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ “سودان تربيون” إن الذهب يشهد بالفعل ارتفاعات قياسية خلال الفترة الأخيرة، مدفوعاً بالطلب العالمي المتزايد، حتى قبل اندلاع التوترات العسكرية الحالية.
وأوضح أن الذهب أصبح في السنوات الأخيرة أحد أهم أدوات حفظ القيمة عالمياً، خاصة في ظل توجه عدد من الدول الكبرى مثل الصين وروسيا إلى زيادة احتياطياتها من المعدن النفيس، بدلاً من الاعتماد على السندات أو الأصول المقومة بالدولار.
وبين أن زيادة الطلب العالمي على الذهب تعني ارتفاع الأسعار، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجاباً على الدول المنتجة مثل السودان عبر زيادة العائدات من الصادرات.
وأشار إلى أن استفادة السودان من هذه التطورات تظل مرتبطة بقدرة الدولة على تنظيم القطاع، حيث إن نحو 80% من إنتاج الذهب في السودان يأتي من التعدين التقليدي مقابل نحو 20% فقط من القطاع المنظم، الأمر الذي يفتح الباب أمام ظاهرة التهريب وفقدان جزء كبير من العائدات.
ويُنتج معظم الذهب في السودان بواسطة التعدين الأهلي الذي يعمل فيه قرابة مليوني شخص، فيما تعتمد معظم الشركات على استخلاص الذهب من مخلفات التعدين التقليدي التي تُعرف بـ “الكرتة”، حيث تقوم بمعالجتها بمواد كيميائية مثل السيانيد.
ودعا الناير إلى الإسراع في تنفيذ إصلاحات في قطاع التعدين، من بينها التحول التدريجي من التعدين التقليدي إلى التعدين المنظم، وإنشاء بورصة سودانية للذهب والمعادن، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية للحد من تهريب المعدن النفيس.
مخاطر التهريب
وأفاد الناير أن التوترات في الخليج لن تؤثر بشكل مباشر على صادرات الذهب السودانية في الظروف الطبيعية، لأن الذهب يتم تصديره أساساً عبر الطائرات وليس عبر الموانئ البحرية.
وذكر أن الذهب من السلع ذات القيمة العالية والحجم الصغير نسبياً، ما يجعل نقله عبر الطيران أكثر شيوعاً، مشيراً إلى أن الأسواق المستقبلة للذهب السوداني لا تقتصر على منطقة الخليج فقط، بل تشمل أيضاً دولاً مثل تركيا وروسيا والصين والهند.
وأشار إلى أن اتساع نطاق الحرب أو إغلاق الأجواء في بعض الدول قد يؤدي إلى اضطرابات مؤقتة في حركة الطيران، وهو ما قد يؤثر على عمليات التصدير في بعض الحالات.
وحذر خبير ومسؤول سابق في قطاع الذهب لـ “سودان تربيون” من أن ارتفاع الأسعار العالمية قد يحمل آثاراً مزدوجة بالنسبة للسودان.
وقال إن زيادة الأسعار قد تؤدي نظرياً إلى ارتفاع عائدات الصادرات، لكنها قد تعني أيضاً توسع ظاهرة تهريب الذهب إذا لم تتم السيطرة على المنافذ ومناطق الإنتاج، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من الإنتاج لا يزال يخرج من البلاد عبر قنوات غير رسمية.
وبين أن استمرار اضطراب حركة الطيران في المنطقة ينعكس أيضاً على عمليات التصدير، خاصة أن جزءاً كبيراً من الذهب السوداني يتم نقله عبر الرحلات الجوية.
ويشهد الذهب حالياً ارتفاعات قياسية في الأسواق العالمية، ما يضع السودان أمام فرصة لتعظيم إيراداته من هذا القطاع في ظل التحديات الاقتصادية وتراجع موارد النقد الأجنبي خلال السنوات الماضية.
وتشير التقديرات الفنية إلى أن ما بين 48% و60% من الذهب المنتج في السودان يتم تهريبه عبر الحدود البرية أو عبر مطارات ومنافذ غير خاضعة للرقابة.
وكشف تقرير صادر عن منظمة Swissaid في 2025 عن تورط شبكات إقليمية ودولية في استنزاف الذهب السوداني، مشيراً إلى زيادة بنسبة 70% في تدفقات الذهب غير الرسمية من السودان إلى الإمارات خلال عام 2024.
وفي يناير الماضي قال وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم، في تصريحات نقلتها وكالة “فرانس برس”، إن إجمالي إنتاج الذهب خلال عام 2025 بلغ نحو 70 طناً، بينما لم تتجاوز الصادرات عبر القنوات الرسمية 20 طناً فقط.
sudantribune.net