
بعد أسبوعين على اندلاع حرب إيران لا يبدو سؤال الربح والخسارة مسألة عسكرية صرفة، ولا أمرا يقاس بعدد الضربات وحجم الدمار وحدهما.
فالحروب، ولا سيما حين تتجاوز أهدافها المعلنة، لا تحسم فقط بما تدمره من منشآت أو بما تخلفه من خسائر، بل بقدرة أطرافها على ترجمة القوة إلى نتيجة سياسية مستقرة.
ومن هذه الزاوية، تستند هذه القراءة إلى مقال الرأي الذي كتبه سايمون تيسدال، معلق الشؤون الخارجية في صحيفة غارديان البريطانية، وإلى النقاش الذي دار في بودكاست تلغراف بعنوان "إيران: كل جديد"، بمشاركة ديفيد بلير، كبير معلقي الشؤون الخارجية في الصحيفة، وأكتر مكوي، مراسلها المختص بالشأن الإيراني، إلى جانب جوناثان هاكيت، الضابط السابق في استخبارات مشاة البحرية الأمريكية.
في مقاله في غارديان، يرى سايمون تيسدال أن الحرب، رغم ضراوتها، لم تنجح في تحقيق هدفها السياسي الأبرز، وهو إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى الانهيار.
فطهران، برأيه، تعرضت لضربات قاسية، لكن السلطة لم تسقط، ولم تظهر مؤشرات حاسمة على تفكك وشيك. بل يذهب إلى أن القصف، بما شمله من استهداف للبنى المدنية والمرافق الحيوية، قد يكون أسهم في شد عصب الوطنية وتعزيز الالتفاف حول النظام، بدلا من أن يفتح الطريق إلى تصدعه.
وهذه الفكرة تجد صدى في بودكاست تلغراف، حيث بدا سؤال "من يربح؟" منفصلا عن المعنى العسكري المباشر للنصر.
فبحسب ما ناقشه المشاركون، يمكن لإيران أن ترى نفسها في موقع غير خاسر ما دام النظام قائمًا، وما دامت الحرب قادرة على إيقاع كلفة متصاعدة بخصومها.
وفي هذا السياق، نقل أكتر مكوي أن الرواية السائدة داخل إيران تقوم على أن الصمود نفسه جزء من النصر، وأن جعل المواجهة أكثر كلفة على الولايات المتحدة وإسرائيل هو من صلب الخطة.
إعلانوأضاف أن إغلاق مضيق هرمز يُقدَّم، في هذا المنطق، بوصفه خطوة محسوبة لدفع الخصوم إلى طلب وقف إطلاق النار.
لكن هذا لا يلغي حجم الخسائر. فالبودكاست نفسه يقر بأن إيران تلقت ضربات موجعة على مستوى القيادة والقدرات العسكرية، وأن وتيرة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة تراجعت بوضوح، حتى لو ظل حجم مخزونها الحقيقي غير معلوم.
ومع ذلك، يشير جوناثان هاكيت إلى أن بنية النظام الإيراني صُممت أصلا على نحو يسمح له بالاستمرار حتى في حال تلقي ضربات في قمة الهرم، لأن النموذج الذي يستند إليه الحرس الثوري يقوم على توزيع الصلاحيات وتفويض التنفيذ إلى مستويات أدنى. وبذلك تبدو إيران، في ضوء المصدرين، خاسرة عسكريًا، لكنها لم تُهزم سياسيا حتى الآن.
إذا كان الصمود الإيراني هو أول مؤشرات الإخفاق الأمريكي، فإن المأزق الأوضح، بحسب تيسدال، يتمثل في أن ترمب بدأ حربا لا يعرف كيف ينهيها.
فكاتب الغارديان يرى أن الرئيس الأمريكي راهن على نصر سريع من الجو، من دون أن يمتلك تصورا واضحا لما بعد الضربة الأولى، وأن هذا الرهان أخذ يتحول إلى استنزاف مفتوح سياسيا وعسكريا وماليا.
ويشير تيسدال إلى أن ما يلوح في الأفق ليس مجرد تعثر ميداني، بل فشل رمزي قد يترك أثرا شبيها بما خلفته حربا العراق وأفغانستان على صورة الولايات المتحدة ومكانتها.
والسبب، في رأيه، أن الحرب لم تحسم أصل المعضلة: البرنامج النووي لم يُغلق نهائيا، والنظام لم يسقط، والقوات الأمريكية في المنطقة باتت أكثر عرضة للرد، في حين ترتفع كلفة الحرب بوتيرة متسارعة.
وهذا المعنى يجد ما يعززه في النقاش الذي دار في تلغراف، فديفيد بلير يرى أن المشكلة لم تكن في أن إيران ردت، بل في أن واشنطن لم تحسن الاستعداد لهذا الرد، رغم أن بعض معالمه كان ممكنا توقعها.
الولايات المتحدة متفوقة في ميدان النار، لكنها عاجزة عن تحويل هذا التفوق إلى حسم
ويشير إلى مظهرين رئيسيين لهذا الارتباك: انخفاض الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأمريكي إلى مستويات متدنية في توقيت بالغ الحساسية، وغياب عدد كاف من القطع البحرية القادرة على حماية الناقلات وفتح مضيق هرمز بالقوة.
أما هاكيت، فيرى أن الخلل أعمق من مجرد نقص في الاستعداد العسكري، إذ يكمن في غياب إستراتيجية متماسكة تربط العمل العسكري بهدف سياسي محدد. فالقوة الجوية، بحسب طرحه، قادرة على تدمير أهداف عسكرية بعينها، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق نهاية سياسية واضحة، وخصوصًا حين تكون الأهداف نفسها متحركة أو متعارضة.
ومن هنا، تبدو الولايات المتحدة، بحسب المصدرين، متفوقة في ميدان النار، لكنها عاجزة عن تحويل هذا التفوق إلى حسم.
في المقابل، تظهر إسرائيل -في المقال والبودكاست معا- بوصفها الطرف الأكثر قدرة على تحقيق مكاسب عملياتية مباشرة، إذ تُقدَّم باعتبارها أكثر فاعلية في الاختراق الأمني والاغتيالات والعمليات السرية، وأكثر استعدادا للمضي في حرب طويلة إذا كانت ستفتح لها باب إعادة تشكيل البيئة الإقليمية على نحو يخدم حساباتها.
إعلانلكن هذا النجاح التكتيكي لا يحسم، في نظر المصدرين، السؤال السياسي الأكبر.
فتيسدال يشكك بوضوح في جدوى الرهان على إسقاط النظام من الجو، ويرى أن الحديث عن تغيير النظام من خلال القصف لم يكن، منذ البداية، إلا وهما سياسيا.
أما هاكيت، فيصل من زاوية مختلفة إلى استنتاج قريب، إذ يرى أن إسقاط سلطة متجذرة لا يتم بمجرد توسيع بنك الأهداف أو تصفية بعض القادة، ما دام الشارع خاضعا للخوف، وما دامت أدوات القمع قادرة على الإمساك بالمجال العام ومنع أي انفجار داخلي.
ما تحققه إسرائيل في الميدان لا يعني تلقائيا أنها اقتربت من إنجاز سياسي
وفي هذا السياق، يكتسب ملف الشارع الإيراني أهمية خاصة، فالتقدير الذي رافق الحرب في أيامها الأولى، والقائل إن ضرب رأس النظام قد يفتح الباب أمام انتفاضة داخلية، لم يجد، حتى الآن، ما يسنده بوضوح على الأرض.
بل إن ما نقله البودكاست يوحي بأن السلطة الإيرانية تعاملت مع هذا الاحتمال بوصفه الخطر الأكثر إلحاحا، فشددت قبضتها على الشارع، وهددت المحتجين، ودفعت أنصارها إلى ملء الساحات، بحيث لم تعد هناك مساحة حقيقية لتحرك معارض واسع.
وعليه، فإن ما تحققه إسرائيل في الميدان لا يعني تلقائيا أنها اقتربت من إنجاز سياسي مواز. فهي، في ضوء المصدرين، قد تكون أكثر الأطراف نجاحا عملياتيا، لكنها لا تملك بعد ضمانة بأن يقود هذا النجاح إلى إسقاط النظام أو إنتاج استقرار جديد.
وبحسب ما ورد في الغارديان وتلغراف، لا تتوقف حدود الربح والخسارة عند أطراف الحرب المباشرين.
فتيسدال يركز على أن الحرب لم تُدخل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وحدها في دوامة الاستنزاف، بل دفعت الإقليم كله نحو اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة والغذاء والدواء، سيدفع ثمنها الأشد فقرًا قبل غيرهم.
وفي بودكاست تلغراف، يظهر المعنى نفسه من زاوية أكثر عملية، مع التركيز على أثر إغلاق مضيق هرمز، وتعطل حركة الطاقة، وارتفاع الأسعار، وما يجره ذلك من آثار على الاقتصاد العالمي.
ومن ثم، فإن الخاسر الأكبر، حتى هذه اللحظة، لا يبدو طرفا واحدا بعينه، بل استقرار المنطقة نفسه، ومعه الاقتصاد العالمي، وفكرة الحرب القصيرة التي يمكن ضبط حدودها سريعًا.
aljazeera.net