
في مقاومته لأعمال العنف التي مارستها سلطات الهجرة والجمارك ضد المهاجرين في ولاية مينيسوتا، أظهر سكان الولاية تضامنا مجتمعيا فريدا قاوم سياسات القوات الفدرالية القاسية التي دفعت بها إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى الولاية، مما شكل هزيمة له.
ورد ذلك في مقال طويل لكاتب العمود الشهير الأمريكي توماس فريدمان بعنوان "مينيسوتا هزمت ترمب"، سرد فيه تجربة سكان الولاية في التضامن، وتحويلهم للأزمة إلى قصة تدعو للإعجاب، كما أدت إلى إعادة تعريف معنى "الجوار والمواطنة" في الولايات المتحدة.
يسلط مقال فريدمان، الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، الضوء على أن النجاح في مواجهة سياسات ترمب القاسية لم يكن نتيجة تدخل الحكومة أو المؤسسات الرسمية، بل كان نتيجة المبادرات الفردية والمجتمعية العفوية، التي تجسدت فيما سماه الكاتب "ممارسة الجوار" بشكل فعّال وعملي، ويعني بذلك اعتناء كل شخص بجيرانه وتقديم المساعدة للمستهدفين خلال هذه المحنة.
أشار فريدمان إلى أن العام الماضي كان من أكثر الأعوام إحباطا في مسيرته المهنية كصحفي، نظرا لتدمير الإدارة الحالية للتحالفات الدولية القائمة منذ الحرب العالمية الثانية، وللاستخفاف بالمبادئ الديمقراطية وحرية التجارة العالمية.
لكنه يلفت الانتباه، بشكل خاص، إلى أن المأساة الأكبر كان يمثلها جشع وخنوع قادة شركات التكنولوجيا الكبرى والمكاتب القانونية الكبيرة أمام سياسات ترمب، حيث انصاعوا له ووافقوا على تصرفاته، "رغم أن هذه الشركات لن ترضى بتوظيف ترمب أو أي من أعضاء إدارته في أعمالها الخاصة".
ومع ذلك، تحوّل اهتمام فريدمان إلى مسقط رأسه، مينيسوتا، حيث يقول إنه شهد شيئا جديدا بالنسبة له بعد 50 عاما من التغطية الصحفية: انتفاضة مدنية عفوية انطلقت من فكرة واحدة بسيطة لكنها قوية: "أنا مسؤول عن جاري، مهما كان ومن أي خلفية جاء".
هذه الفكرة، يقول فريدمان، قادت أمهات مستعدات لتقديم حليبهن لأطفال الغرباء وآباء مستعدين لنقل أطفال الآخرين إلى المدارس خشية ملاحقة عملاء الهجرة. كما ساهم الجيران في دعم المطاعم المحلية والشركات التي قررت عدم فتح أبوابها خوفا من أن يقوم عملاء سلطات الهجرة باختطاف موظفيها.
أكثر ما أثار إعجاب فريدمان أن هذه المبادرات المجتمعية جاءت دون أي ضجيج أو إعلام، في مواجهة رئيس، كما يقول، مشهور بترويج اسمه على كل مبنى عام ممكن
وأكثر ما أثار إعجاب فريدمان كان أن هذه المبادرات المجتمعية جاءت دون أي ضجيج أو إعلام، في مواجهة رئيس، كما يقول، مشهور بترويج اسمه على كل مبنى عام ممكن.
إعلانويورد فريدمان عشرات الأمثلة على أعمال الخير والتضامن الفردية، وحماية الجيران، وتحمل المخاطر اليومية في مناخ صعب. ويشير إلى أن سكان مينيسوتا لديهم قدرة فطرية على مواجهة الشتاء، وقد ساعد ذلك في تشكيل شعور قوي بالانتماء المجتمعي والالتزام تجاه الآخرين، من خلال مساعدة الجيران على الخروج من الثلوج أو الدفاع عنهم ضد ممارسات الدولة القاسية.
ويتطرق فريدمان إلى السياق الديموغرافي المتغير في مينيسوتا، حيث كانت الولاية في الماضي شبه متجانسة عرقيا، إذ تبلغ نسبة البيض نحو 99% من السكان، بينما انخفضت بحلول عام 2023 إلى 76%، مع زيادة كبيرة للسكان السود، واللاتينيين، والآسيويين.
ويرى الكاتب أن هذه التغيرات ساهمت في خلق مجتمع متعدد الثقافات، حيث أصبحت المساهمة الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين أكثر وضوحا وأهمية. ويشير إلى دراسة أعدها بروس كوري من جامعة كونكورديا، أظهرت أن المهاجرين يساهمون بنحو 26 مليار دولار سنويا في اقتصاد مينيسوتا، سواء كعاملين أو مستهلكين.
ويذكر فريدمان أن ترمب أطلق في ديسمبر/كانون الأول الماضي حملته على مينيسوتا، حيث جُند 3 آلاف عميل من سلطات الهجرة والجمارك وحماية الحدود في منطقة مينيابوليس-سانت بول لاعتقال وترحيل المهاجرين غير النظاميين، وكان من بينهم عناصر لم يتم تدريبهم بشكل كافٍ، وأدى تدخلهم إلى مقتل مراقبين مدنيين اثنين.
ووصف ترمب المهاجرين الصوماليين بأنهم "قمامة" واعتبرهم غير منتجين، وهو ما أثار موجة من الغضب المجتمعي الذي تجاوز الانقسامات التقليدية.
وخرج سكان مينيسوتا البيض من الطبقة المتوسطة، إلى جانب الجيران الملونين، للتصدي لسلطات الهجرة وحماية جيرانهم. وكان رد الفعل الشعبي قويا وموحدا، حيث عمل الجميع معا لوقف عمليات الاعتقال العشوائية، ومساندة المتضررين، وتوفير الدعم المالي والمعنوي لهم.
وظهرت مبادرات متنوعة من المجتمع المدني، مثل تقديم المساعدة بالمواصلات اليومية للأطفال، وتوفير السكن المؤقت، والمشاركة في أنشطة اجتماعية لدعم الأسر، وصولا إلى تكتيكات إبداعية لإزعاج قوات الهجرة والجمارك وعرقلة عملهم.
وأبرز فريدمان كيف أسهمت هذه المبادرات في إعادة تعريف مفهوم "الجوار"، لتصبح كلمة عملية تحفّز العمل على حماية المجتمع ودعم الآخرين، وتتحوّل من مجرد وصف اجتماعي إلى فعل مستمر يربط أفراد المجتمع ببعضهم البعض. وأصبح التضامن بين البيض والسود والملونين واللاجئين نموذجا لممارسة المواطنة الحقيقية، بما يتجاوز الانقسامات التقليدية العرقية والسياسية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، واجه أصحاب الأعمال الصغيرة تحديات كبيرة، حيث اضطروا لتوظيف سائقين لنقل موظفيهم بأمان، وتوفير مسكن مؤقت للعاملين داخل المطاعم، وتنظيم برامج دعم للأطفال، بينما كان نقص الموظفين يؤدي إلى تحمل ساعات عمل مزدوجة وزيادة التكاليف.
وقد تسبب هذا، كما يقول فريدمان، في خسائر مالية ضخمة وصلت إلى عشرات الملايين في الإيرادات والأجور والإيجارات، لكنها في الوقت نفسه أظهرت مستوى استثنائيا من التضامن والمساعدة المتبادلة في المجتمع.
وأشار فريدمان إلى أن التجربة أعادت الثقة بين السكان والشرطة المحلية، خاصة بعد أحداث مقتل جورج فلويد، حيث تحوّل جزء من غضب المجتمع تجاه هذه الشرطة إلى تقدير للدور الذي لعبته في حماية المواطنين خلال حملة ترمب الحالية، مع مراعاة التنوع الكبير الذي أصبح يميز قوة الشرطة في المدينة، والتي شهدت زيادة كبيرة في طلبات الانضمام، بما يعكس التزاما حقيقيا بالتعددية والشمولية.
إعلانوأبرز فريدمان كذلك تأثير هذه الأحداث على العملية الديمقراطية، حيث أدى التدخل الفدرالي إلى زيادة المشاركة المدنية، ودفع العديد من السكان لحضور اجتماعات الأحزاب المحلية، والانخراط في الحياة السياسية، بما يعكس زيادة الوعي بالمسؤولية تجاه المجتمع.
وأشار إلى أن هذه التجربة تمثل نموذجا لتحديات أوسع تواجه الولايات المتحدة، حيث تنوع السكان أصبح أكثر وضوحا، والحاجة للتعاون المجتمعي أكثر إلحاحا، وأن ما حدث في مينيسوتا يمكن أن يكون نموذجا للتعامل مع التحديات الوطنية الكبرى، مثل إدارة الهجرة، والتغير المناخي، والتقنيات الحديثة، والحفاظ على الديمقراطية.
ويختم فريدمان مقاله بالتأكيد على أن ما حدث في مينيسوتا يمثل "معجزة كبيرة" تجلت في تحويل الانقسامات إلى تضامن، والتمييز إلى شعور بالانتماء المتبادل، ويبرز أن درس مينيسوتا هو أن التضامن بين الجيران يمكن أن يكون القوة التي تواجه السياسات الظالمة، وأنه حتى في وجه القسوة والفشل المؤسسي، يمكن للمجتمع المدني أن يكون شبكة أمان لأفراده، وأن يصبح نموذجا يحتذى به على المستوى الوطني والعالمي، في وقت تتطلب فيه التحديات العالمية تعاونا جماعيا واسع النطاق لضمان مستقبل أفضل.
aljazeera.net